أبي حيان الأندلسي
9
البحر المحيط في التفسير
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ألم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ هذه السورة ، سورة آل عمران ، وتسمى : الزهراء ، والأمان ، والكنز ، والمعينة ، والمجادلة ، وسورة الاستغفار وطيبة . وهي : مدنية الآيات ستين ، وسبب نزولها فيما ذكره الجمهور : أنه وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وفد نصارى نجران ، وكانوا ستين راكبا ، فيهم أربعة عشر من أشرافهم ، منهم ثلاثة إليهم يؤول أمرهم ، أميرهم : العاقب عبد المسيح ، وصاحب رحلهم : السيد الأيهم ، وعالمهم : أبو حارثة بن علقمة ، أحد بني بكر بن وائل . وذكر من جلالتهم ، وحسن شارتهم وهيئتهم . وأقاموا بالمدينة أياما يناظرون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في عيسى ، ويزعمون تارة أنه اللّه ، وتارة ولد الإله ، وتارة : ثالث ثلاثة . رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يذكر لهم أشياء من صفات الباري تعالى ، وانتفاءها عن عيسى ، وهم يوافقونه على ذلك ، ثم أبوا إلّا جحودا ، ثم قالوا : يا محمد ! ألست تزعم أنه كلمة اللّه وروح منه ؟ قال : « بلى » . قالوا : فحسبنا . فأنزل اللّه فيهم صدر هذه السورة إلى نيف وثمانين آية منها ، إلى أن دعاهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الابتهال . وقال مقاتل : نزلت في اليهود المبغضين لعيسى ، القاذفين لأمّه ، المنكرين لما أنزل اللّه عليه من الإنجيل . ومناسبة هذه السورة لما قبلها واضحة لأنه ، لما ذكر آخر البقرة أَنْتَ مَوْلانا فَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ « 1 » ناسب أن يذكر نصره تعالى على الكافرين ، حيث ناظرهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وردّ عليهم بالبراهين الساطعة ، والحجج القاطعة ، فقص تعالى أحوالهم ، وردّ عليهم في اعتقادهم ، وذكر تنزيهه تعالى عما يقولون ، وبداءة خلق مريم وابنها المسيح إلى آخر ما ردّ عليهم ، ولما كان مفتتح آية آخر البقرة آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ « 2 » فكأن في ذلك الإيمان باللّه وبالكتب ، ناسب ذكر أوصاف اللّه تعالى ، وذكر ما أنزل على رسوله ، وذكر المنزل على غيره صلى اللّه عليهم . قرأ السبعة : ألم اللّه ، بفتح الميم ، وألف الوصل ساقطة . وروى أبو بكر في بعض طرقه ، عن عاصم : سكون الميم ، وقطع الألف . وذكرها الفراء عن عاصم ، ورويت هذه القراءة عن الحسن . وعمرو بن عبيد ، والرؤاسي ، والأعمش ، والبرجمي ، وابن القعقاع : وقفوا على الميم ، كما وقفوا على الألف واللام ، وحقها ذلك ، وأن يبدأ بما بعدها كما تقول : واحد اثنان .
--> ( 1 ) سورة البقرة : 2 / 286 ، الآية الأخيرة . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 285 .